أفكار ورؤى حول إعادة بناء مؤسسات الدولة

154-990x660

أفكار ورؤى حول إعادة بناء مؤسسات الدولة

الإثنين, 19-02-2018

 تحدثت في المقال السابق عن مؤسسة السلطة التشريعية، وأتابع في هذا المقال الحديث عن السلطة التنفيذية.

إن الإدارة في الدولة بحاجة إلى تطوير وتحديث فعلي وليس نظرياً أو مظهرياً، ولن يتم ذلك إلا من خلال الاستعانة بأصحاب العلم والخبرة والكفاءة من رجال الدولة المتقاعدين، ومن خلال وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وفق المعيار الأساسي والأبدي في أن الوطن للجميع.
لقد سادت البيروقراطية والمركزية في جميع إدارات الدولة ومؤسساتها بحجة تطبيق القانون والنظام، وأصبح موظف بسيط يفسر القانون كما يشاء غير مكترث بمساءلة أو محاسبة، لأن رؤساءه يجهلون القانون وهم أيضاً يفسرونه على هواهم. وأصبح المواطن في حيرة من أمره، فلا يجد مرجعاً يتمتع بالعلم والخبرة لمعالجة مشكلته، وأصبح هذا المناخ مرتعاً خصباً للفاسدين والمفسدين لابتزاز المواطن، وأصبح الدفع والقبض (الرشاوى) علناً من فوق الطاولة من دون خوف أو خجل، ومظاهر حياة هؤلاء الفاسدين تدل بوضوح على فسادهم وتغني عن تحقيقات ومحاكمات طويلة قد لا تدينهم، وأذكر ما قاله مهاتير محمد الذي نقل ماليزيا إلى مصاف الدول المتقدمة بأن ما من دولة في العالم تقوم بعملية تنمية واسعة إلا ويشيع فيها قدر من الفساد لكن المهم أن يبقى تحت الطاولة ولا نسمح له بالصعود فوق الطاولة لأن هذا الصعود من شأنه تعميم ظاهرة الفساد وتحويلها إلى حالة شائعة تصعب مكافحتها.. لا بد من ثورة إدارية منظمة ومنتظمة تقضي على البيروقراطية والمركزية، وتجعل محاربة الفساد في أول سلم الأولويات، وتقضي على هؤلاء الفاسدين والمفسدين الذين أصبحوا ورماً سرطانياً خبيثاً في جسم الوطن لا بد من استئصاله.

وفي هذا السياق أرى ضرورة إحداث هيئة لمكافحة الفساد تتمتع بصلاحيات واسعة وترتبط برئيس الجمهورية.

وأرى أن يتم وضع وإقرار مبادئ عامة وأساسية للإدارة الحكومية تؤدي من حيث النتيجة إلى القضاء على البيروقراطية والمركزية، وأهمها باعتقادي:

  • ترسيخ مبدأ أساسي ومهم وهو أن وظيفة الإدارة الحكومية تتمثل في خدمة المواطن والوطن، وأن السلطة الممنوحة لها تأتي في هذا السياق.
  • اعتماد مبدأ اللامركزية في عمل الإدارات والمؤسسات وخاصة الخدمية منها، وذلك بوضع أنظمة داخلية واضحة لا لبس فيها.
  • تحديد صلاحيات ومهام المعاونين في المستويات كافة بشكل واضح وبنص قانوني ملزم، وليس بتفويض من الوزير أو المحافظ أو المدير يعطيه متى شاء ولمن يشاء.
  • العناية الدائمة بتأهيل الموظف العام ليكون ملماً بآليات عمل دائرته والقوانين التي تحكمها، وربط ترفيعه بذلك.
  • تفعيل مكاتب الشكاوى لدى الوزارات والإدارات لتكون جدية ومنتجة، وربطها بمديريات ودوائر الرقابة الداخلية.

وكل ذلك لن يحقق الغاية المرجوة إذا لم يتم العمل بمبدأ «وضع الرجل المناسب في المكان المناسب» بعيداً عن الولاءات والانتماءات، وعلينا أن ندرك أن الشخص الذي يصلح لوظيفة ما قد لا يصلح لوظيفة أخرى فلكل وظيفة طبيعتها وخصائصها.

وأؤكد ضرورة وجود أجيال متعاقبة في كل مجال من المجالات يتم تأهيلها وإعدادها بالشكل الذي لا يترك فراغاً عند إحالة جيل على التقاعد، ولا يجوز لجيل ما أن يستأثر ويلغي دور الأجيال الأخرى، فالوطن بحاجة إلى جميع أبنائه شيوخاً وشباباً ورجالاً ونساء.

نبيل الملاح

باحث ووزير سابق

يتبع في المقال القادم