الظروف الطارئة وأثر انخفاض قيمة العملة على الالتزامات المدنية والتجارية

aud

الظروف الطارئة وأثر انخفاض قيمة العملة على الالتزامات المدنية والتجارية

 

قيمة العملة الورقية تبنى على الثقة في القوة الاقتصادية للبلد ،وإن هبوط القيمة الشرائية لهذه العملة له تأثير مباشر على الحقوق والالتزامات والديون المحررة بالنقود ،والناشئة في وقت سابق للهبوط والتي لم يتم الوفاء بها بعد.

كما حصل في الدول التي خاضت الحربين العالميتين الأولى والثانية ،وكما حصل في لبنان عام 1975 وما تلاه ،وما يحصل الآن في سورية من هبوط شديد بالعملة ما هو إلا أثر مباشر ونتيجة طبيعية للأحداث الأمنية التي بدأت عام 2011 ولا زالت حتى الآن.

وما نراه اليوم هو اختناق في الاقتصاد ،وانخفاض خطير في قيمة العملة السورية التي فقدت حوالي (70%) من قيمتها وقدرتها الشرائية حتى الآن.

الأمر الذي أدى وسيؤدي ،إلى اختلال فادح في الالتزامات التعاقدية المبرمة بالعملة الوطنية ، وكذلك اختلال فادح في قيمة السندات المالية والتجارية المحررة بالليرات السورية.

وإذا لم يعالج هذا الانهيار النقدي بالتشريعات المناسبة ،وعلى أساس من العدل والإنصاف ،فسيؤدي الأمر إلى انحلال العقود وامتناع المدينين والدائنين عن تنفيذ التزاماتهم ،ومن ثم وقوع الغبن الفاحش ،وبالتالي يتعرض المجتمع إلى اختلال في علاقات الناس وهذا ما سيشكل خطراً على السلم الأهلي.

وإذا ما استمر هذا الوضع النقدي وهبوط العملة ،بالتزامن مع استحقاق الالتزامات سيجعل سجلات المحاكم تغص بالدعاوى والنزاعات يقيمها كل متضرر يسعى إلى إعادة التوازن إلى العقود والالتزامات وإقامة العدل بين الناس.

 

الفرق ما بين الظرف الطارئ والقوة القاهرة :

لا بد من التوضيح أولاً هل نحن في سورية ( من الناحية القانونية ) أمام قوة قاهرة أدت إلى ما نحن عليه الآن أم أن الظروف الطارئة التي سادت البلاد هي المسبب المباشر للأزمة المالية والاقتصادية وهبوط العملة.

وبالعودة إلى الشروحات واجتهادات القضاء نجد فرقاً واضحاً ما بين القوة القاهرة والظرف الطارئ.

ويقول فقهاء القانون المدني : " بأن القوة القاهرة تعتبر مانعاً من موانع المسؤولية العقدية يستحيل معها تنفيذ الالتزام ،مما يؤدي إلى فسخ العقد وإعادة الحال إذا أمكن دون أي تعويض ،لانتفاء المسؤولية وذلك يعني بأن الاستحالة بالتنفيذ بحد ذاتها هي القوة القاهرة التي تسقط المسؤولية العقدية كما جاء بالمواد /160/ و /216/ و /218/ من القانون المدني..".

 والمثال على ذلك : العقد المبرم فيما بين شخص ما وبين رسام التزم برسم لوحة فنية لهذا الشخص ، فإن مات الرسام قبل إنجاز اللوحة فإن موته يعتبر قوة قاهرة توجب فسخ العقد لاستحالة تنفيذه.

أما الظرف الطارئ كالحرب والزلزال والإضراب المفاجئ وفرض سعر رسمي أو ارتفاع أو نزول فاحش بالأسعار فهذه كلها توصف بالظروف الطارئة.

وهي خلافاً للقوة القاهرة لا تفسخ العقد ولا تلغي الالتزام .. بل تجعل الالتزام مرهقاً ولكن ليس مستحيلاً ويبقى المدين ملزماً بتنفيذ العقد.

والفرق الآخر أيضاً يتجلى في أن القوة القاهرة هي حادث فردي مفاجئ يتعلق بأطراف الالتزام حصراً وتؤدي إلى استحالة تنفيذ العقد وإلغائه.

وعلى خلاف القوة القاهرة فإن الظروف الطارئة تتصف بالشمولية والعموم وهي لا تلغي العقود وإن أضحى تنفيذها مرهقاً.

 

وهنا يأتي دور القضاء لإعادة التوازن وتحقيق العدالة .. حيث جاء بقرار للهيئة العامة لمحكمة النقض 1987 :

" إن ارتفاع الأسعار ارتفاعاً باهظاً أو انخفاضاً فاحشاً يشكل حادثاً استثنائياً عاماً غير متوقع تسوده نظرية الحوادث الطارئة".

اجتهاد الهيئة العامة رقم أساس /52/ قرار /27/ تاريخ 1/11/1986 – القانون ص /54/ لعام 1987.

 

شروط تطبيق نظرية الظرف الطارئ :

أولاً : الأساس الذي تقوم عليه نظرية الظروف الطارئة هي : وقوع حوادث طارئة واستثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد .. ويفترض أن يكون هناك فاصل زمني وفترة من الزمن ما بين إصدار العقد وتنفيذه وأن يحصل الظرف الطارئ بعد إصدار العقد أو أثناء تنفيذه.

ثانياً : أن تكون هذه الظروف الطارئة والحوادث الاستثنائية مفاجئة ،وغير ممكن توقعها ولا يمكن ردها ودفعها ،كالحروب والزلازل والعواصف والفيضانات .

ثالثاً : أن تجعل هذه الظروف الطارئة تنفيذ الالتزام مرهقاً لا مستحيلاً لأن الحادث الطارئ ليس بالقوة القاهرة التي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً ، أما الحادث الطارئ فيجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً ولكنه واجب التنفيذ.

 

نظرية الظرف الطارئ في القانون المدني :

نصت المادة 148/ مدني :

     " الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف العقد شريعة المتعاقدين ،فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين ، أو للأسباب التي يقررها القانون".

ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها ان تنفيذ الالتزام التعاقدي ،وإن لم يصبح مستحيلاً ، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة ،جاز للقاضي تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة ذلك.

 

 

وهكذا نجد المشرع السوري قد أخذ بنظرية الظروف الطارئة والحوادث الاستثنائية وجعل منها مظلة لكافة العقود والالتزامات وحظر الإعفاء منها مسبقاً حين نص بالفقرة /2/ من المادة /148/  ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.

وتأسيساً على أحكام المادة /148/ أعلاه فإن (شريعة المتعاقدين) أضحت مؤسسة قابلة للتطور والتعديل وليست جامدة ، لذا لا يجوز أن يحول بينها وبين كل ضرورة تقضي بتعديل العقد لأسباب مصدرها خارجاً عن إرادة المتعاقدين والناشئة عن ظروف طارئة غير متوقعة ،لأن كل ما هو غير متوقع حين تنفيذ العقد يندرج تحت مظلة (الظرف الطارئ).

لذا، يتوجب إعادة التوازن للالتزامات المتقابلة حين التنفيذ ،لأن تحقيق ربح فادح لأحد طرفي العقد سيقابله خسارة فادحة للطرف الآخر – نتيجة للظرف الطارئ – وهذا يعني إثراء أحد الأطراف وإفقار الآخر ، كما يشكل كسباً غير مشروع من طرف على حساب الآخر.

 

القضاء ونظرية الظروف الطارئة :

بالأصل وفقاً للقواعد العامة للالتزام إذا امتنع المتعاقد عن تنفيذ العقد يرتكب خطأً عقدياً يرتب عليه مسؤولية مدنية – أي التعويض عن الضرر المتوقع المتمثل في الشرط الجزائي الذي يلزم الطرف الناكل بالتعويض للطرف الآخر المتضرر.

ولكن إن وقع حادث مفاجئ أو ظرف طارئ أخل بالتوازن بالتزامات المتعاقدين ، عندها يحق لكل من المتعاقدين أن يلجأ إلى القضاء بطلب تعديل شروط العقد لإعادة التوازن إليه أو طلب فسخ العقد إن كان له مبرر.

ويبقى القضاء هو المختص في تقرير تعديل العقد أو فسخه مستنداً في ذلك إلى إرادة المتعاقدين ونظرية الظرف الطارئ.

وتكون الدعوى أمام القضاء محكومة بثلاثة احتمالات :

أولاً : الأخذ بنظرية الظروف الطارئة – واعتبار الحوادث الاستثنائية سبباً للنظر في الدعوى وفق المادة /148/2 مدني.

ثانياً : إنقاص الالتزام المرهق أو زيادة الالتزام المقابل من أجل إعادة التوازن وتحقيق العدالة .

ثالثاً : وقف تنفيذ العقد حتى يزول الحادث الطارئ.

وفي شتى الأحوال لا يجوز للقاضي أن يقرر عفواً فسخ العقد إلا إذا طلبه أطراف العقد وكان له مبرر.

وهنا نجد أن للقاضي دوراً هاماً في دعاوى الظرف الطارئ لأنه بالاجتهاد ينشئ قواعد قانونية ويفسر النصوص والعقود في ضوء التطور الاجتماعي والاقتصادي الحاصل نتيجة الظروف الطارئة والاستثنائية وعلى هدى مضمون المادة /148/2 مدني.

 

دور التحكيم المدني والتجاري في تطبيق نظرية الظروف الطارئة وإعادة التوازن :

نصت المادة /1/ من قانون التحكيم الخاص رقم /4/ لعام 2008 :

" التحكيم : أسلوب اتفاقي قانوني لحل النزاع بدلاً من القضاء سواء أكانت الجهة التي ستتولى إجراءات التحكيم بمقتضى اتفاق الطرفين منظمة أم مركزاً دائماً للتحكيم أم لم تكن كذلك".

وفقاً لنظرية الظروف الطارئة والحوادث الاستثنائية العامة المنصوص عنها بالمادة

/481/ مدني فإن الهدف من تطبيق هذه النظرية هو إزالة الخلل وإعادة التوازن فيما بين الالتزامات المتقابلة المدنية والتجارية.

وإذا كانت الدعوى أمام القضاء تبقى محكومة بثلاثة احتمالات باستثناء فسخ العقد عفواً من قبل المحكمة .. فإن تولي هيئة التحكيم المسماة من قبل المتنازعين والمكلفة بتسوية النزاع وإعادة التوازن .. تبقى مقيدة بالصلاحيات المعطاة لها من قبل المحتكمين والمحددة في صك التحكيم والمنصوص عنها بالمادة /38/ من قانون التحكيم رقم /4/ خاصة ما يتعلق بالقانون والأصول المتوجب على هيئة التحكيم تطبيقها إلا ذا اتفق المحتكمون على تفويض هيئة التحكيم بالصلح والفصل بالنزاع على مقتضى قواد العدالة والإنصاف دون التقيد بالقانون والأصول.

وهكذا، فإنه من الجائز للقضاء وكذلك للتحكيم إن ينظرا في تفعيل نظرية الظروف الطارئة في ضوء العدالة والإنصاف.

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                         و مهما اجتهد القضاء في بسط الظروف و التوسع في (سماحة) النظرية من أجل إسعاف المدينين وأطراف العقود والالتزامات القائمة على البدل النقدي الوطني – (المريض بعلة الهبوط والانخفاض) – قلنا ، مهما حاولالقضاة استنباط الفقه والاجتهاد لإعادة التوازن وتحقيق العدالة ، فإن الأمر لا بد يحتاج – وبإلحاح – إلى تدخل الدولة ، وذلك بإصدار التشريعات العاجلة والقاطعة  لحماية المواطن المدين والدائن والمستثمر والتاجر ورجل الأعمال وكل صاحب عمل ونشاط تجاري وصناعي ، ويجب أن تصب هذه التشريعات في الأمور التالية  على سبيل المثال وليس الحصر :

أولاً :  إصدار قانون بوقف آجال استحقاق الديون – ذات تاريخ استحقاق ثابت ، أو الديون المستحقة على أقساط ، مهما كانت صفة هذه الديون عامة أو خاصة ومهما كان منشؤها .

ثانياً :  وقف نفاذ المواد المتعلقة بشهر الإفلاس المنصوص عنها بقانون التجارة من المواد /413 لغاية 554/.

ثالثاً :  وقف نفاذ المواد المتعلقة بإعسار المدين المنصوص عنها بالمواد /240/242/250/756/ من القانون المدني.

رابعاً :  وقف تنفيذ الأحكام القضائية المبرمة ذات المنشأ التجاري أو الصناعي أو الاستثماري بعد تشميلها بنظرية الظروف الطارئة وإعادة التوازن للمبالغ المحكوم بها.

خامساً : وقف سريان التقادم ومرور الزمن بنوعيه المسقط والمكسب بالنسبة للحقوق والالتزامات المشمولة بوقف التنفيذ.

سادساً : إعطاء التشريعات المتعلقة بهذه الظروف الاستثنائية الطارئة أثراً رجعياً اعتباراً من تاريخ 15/3/2011.

 

المحامي بيير عبد الأحد

حلب في 11/2/2014