أصول التدخل في التحكيم

trad

أصول التدخل في التحكيم

تنص المادة /160/ أصول محاكمات :

" يجوز لكل ذي مصلحة أن يتدخل في الدعوى منضماً لأحد الخصوم أو طالباً الحكم لنفسه بطلب مرتبط بالدعوى".

المادة /160/ أعلاه، أجازت للغير ذي المصلحة أن يتدخل في الدعوى، ولكن هل يؤخذ بهذه المادة في قضايا التحكيم، أي هل يجوز للغير أن يتدخل في القضية التحكيمية ليكون طرفاً أصلياً يطلب فيها الحكم لنفسه.. أو طرفاً منضماً لأحد المحتكمين ..

المادة /160/ أعلاه حصرت حق التدخل في الدعوى فقط .. مما يستوجب البحث في طبيعة القضية التحكيمية هل هي دعوى أم هي مجرد اتفاق رضائي فيما بين أطرافه..

للإجابة على ذلك لا بد من البحث في تعريف التحكيم لبيان طبيعة هذه المؤسسة القضائية الخاصة..

لم يرد في المواد / من 506 إلى 534/ الملغاة من قانون أصول المحاكمات تعريف للتحكيم ..

إلا أن قانون التحكيم السوري رقم (4/2008) جاء بالمادة الأولى منه بتعريف هذا نصه :

" التحكيم أسلوب اتفاقي قانوني لحل النزاع بدلاً من القضاء سواء أكانت الجهة التي ستتولى إجراءات التحكيم بمقتضى اتفاق الطرفين منظمة أم مركزاً دائماً للتحكيم أم لم تكن كذلك".

التعريف أعلاه الوارد بالقانون رقم (4/2008) وصف التحكيم بأنه مجرد (اتفاق) لحل النزاع – بدلاً من القضاء – أي أن القانون المذكور عزل التحكيم عن القضاء ونفى عنه أية صفة قضائية .. بمعنى أن التحكيم وفق القانون /4/ ليس بدعوى إنما هو مجرد اتفاق.

وتأسيساً على هذا التعريف والتوصيف الذي جاء به القانون 4/2008، لا يجوز قبول التدخل في القضية التحكيمية من قبل الغير، الذي لم يكن طرفاً في اتفاق التحكيم لأن المادة /160/ أ.م. أجازت التدخل في الدعوى في حين أن التحكيم كما عرفه القانون رقم /4/ هو اتفاق وليس دعوى.

تأسيساً على ما تقدم ووفقاً للقانون /4/ لا نجد محلاً لتطبيق المادة /160/ أ.م. في التحكيم كما لا يجوز لهيئة التحكيم قبول التدخل ممن ليس طرفاً في عقد التحكيم.

إلا أن الأمر ليس مغلقاً بهذا الشكل .. لأن ما سكت عنه النص تناوله الفقه والاجتهاد وأوجد له الحل .. أي أنه وفقاً للاجتهاد يمكن قبول التدخل في القضية التحكيمية.

نعود إلى رأي الفقهاء والشراح فنقرأ في موسوعة أصول المحاكمات – اللبنانية – للأستاذ ادور عيد (ﺟ/10/فقرة 4) ما نصه :

" إن الطبيعة العائدة له (أي التحكيم) هي طبيعة مختلطة يتمازج فيها العنصر الاتفاقي مع العنصر القضائي إذ أن التحكيم يرتكز على عقد أو اتفاق يشكل العنصر الأساسي والمهيمن فيه، وينتهي إلى قرار يغلب فيه الطابع القضائي لما يملكه من حجية القضية المحكوم بها التي تلازم الأحكام القضائية العادية".

 

وهكذا، فإن الأستاذ ادور عيد يعطي (التحكيم) صفتين الأولى (اتفاقية) تنشأ باتفاق الطرفين أو الأطراف الذين يملكون أهلية التعاقد على حل النزاع بالتحكيم.

        والصفة الثانية (قضائية) حين تنتهي أعمال التحكيم بإصدار حكم تغلب عليه الصفة القضائية من حيث الحجية والتنفيذ الجبري ..

إضافة للرأي المذكور فقد حسم المشرع اللبناني موضوع التدخل بنص صريح في المادة /786/ من قانون أصول المحاكمات اللبناني ونصها :

" لا يجوز تدخل الغير في النزاع أمام المحكمين ما لم يوافق الخصوم على ذلك".

 

وهكذا، فإن الاجتهاد والنص حسما الأمر في لبنان لجهة أصول تدخل الغير أمام المحكمين وحبذا لو تضمن قانون التحكيم السوري نصاً مماثلاً للنص اللبناني أعلاه.

خلاصة القول :

إن التحكيم هو اتفاق رضائي فيما بين أطرافه وفق القانون 4/2008 وإن التدخل في التحكيم يتضمن طلباً بالمشاركة بهذا الاتفاق التحكيمي .. وهذه المشاركة تعني طلب تشميل اتفاق التحكيم لطرف ثالث هو المتدخل وهذا يعني تعديل الاتفاق على التحكيم القائم .. وبما أنه لا يتم تعديل العقود إلا باتفاق أطرافها ...

لذا، كان لا بد من موافقة أطراف التحكيم على قبول تدخل الغير في التحكيم لأن هذا التدخل يعتبر تعديلاً جوهرياً في موضوع التحكيم وأهدافه.

وهكذا، فإن إعلان أطراف الاتفاق التحكيمي قبولهم تدخل الغير يعني قبولهم بتعديل اتفاق التحكيم وبالتالي يشترط قبول طلب التدخل من قبل المحتكمين أولاً .. وإعلان المتدخل قبوله ما تم بالتحكيم من إجراءات سابقة لتدخله .. يصار بعدها إلى متابعة القضية التحكيمية وإصدار الحكم بمواجهة المحتكمين والمتدخل.

 

المحامي بيير عبد الأحد